اختناق الممرات بعد الترامبونوميكس: من يملك المعبر يفرض شروط العبور
د.جوزيف ديب
Tuesday, 23-Jun-2026 07:18

بعد أوروبا والتحالفات، ينتقل هذا الجزء الثالث من سلسلة عقيدة الترامبونوميكس إلى سؤال الممرات.

في آذار 2021، فتحت شركات الشحن شاشاتها على مشهد بدا في البداية غريباً أكثر ممّا بدا خطيراً، إذ كانت سفينة عملاقة اسمها "إيفر غيفن" واقفة بالعرض في قناة السويس في مصر، بين البحر الأحمر والبحر المتوسط. فأكثر من 400 سفينة انتظرت على طرفَي القناة، ومصر خسرت ما يقارب 12 إلى 15 مليون دولار يومياً من رسوم العبور، والمصانع التي كانت تنتظر قطعاً وحاويات، بدأت تعيد حساب الوقت والكلفة. لم يحتج الاقتصاد العالمي حينها إلى حرب كبرى كي يرى هشاشته.

6 أيام كانت كافية لتظهر المفارقة التي حاول العالم إخفاءها خلف خرائط التجارة الحرّة. كانت هناك سفينة واحدة في مكان ضيّق، وهذا كان كافياً ليضع التجارة العالمية أمام سؤال عملي جداً: هل تنتظر الممر المغلق، أم تدفع كلفة الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح؟

 

ثم جاء البحر الأحمر ليحوّل درس السويس من حادث إلى ضغط مقصود. منذ أواخر 2023، صارت الصواريخ والمسيّرات الخارجة من اليمن تدفع شركات الشحن إلى ترك الطريق الأقصر نحو أوروبا والدوران حول رأس الرجاء الصالح. زادت الرحلة نحو 10 أيام. مصر دفعت الثمن أيضاً؛ فقد تراجعت إيرادات القناة بنحو الربع في سنة مالية واحدة، ثم تحدّثت القاهرة لاحقاً عن خسائر شهرية قاربت 800 مليون دولار.

 

في هرمز، بين الخليج العربي وبحر عُمان، يصبح السؤال أكثر خطورة، لأنّ الرقم نفسه سياسي قبل أن يكون نفطياً. في 2024، مرّ عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب خُمس استهلاك العالم من السوائل النفطية. يكفي خبر عن حرب أو ألغام أو تهديد بإغلاق حتى ينتقل الخوف إلى أسعار الطاقة، ثم إلى ارتدادات اقتصادية عالمية واسعة.

 

أمّا في بنما في أميركا الوسطى، بين المحيطَين الأطلسي والهادئ، فخلال جفاف 2023، الذي امتدت قيوده إلى 2024، انخفض منسوب المياه في بحيرة غاتون، وهي الخزان الذي تعتمد عليه حركة السفن، فاضطرّت سلطة القناة إلى تقليص عدد العبور اليومي وتشديد قيود الحمولة والغاطس، أي عمق الجزء المغمور من السفينة تحت سطح الماء. هنا جاء الاختناق من الماء نفسه، حين صار منسوبه يقرّر عدد السفن وحمولتها.

 

ومع ذوبان الجليد في الدائرة القطبية الشمالية، بدأ القطب الشمالي يتحوَّل إلى ممر محتمل بين أوروبا وآسيا، وإلى مساحة تتقاطع فيها الملاحة والطاقة والمعادن والانتشار العسكري. من هنا خرج خطاب ترامب، العالي النبرة، المطالب بالاستحواذ على غرينلاند؛ فالجزيرة، الواقعة بين أميركا الشمالية والقطب الشمالي، والتابعة للدنمارك، أصبحت موقعاً يطل على خط تماس جديد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.

 

وفي البوسفور والدردنيل في تركيا، بين البحر الأسود والبحر المتوسط عبر بحر مرمرة، تقدّم تركيا نموذج الممر الذي تحكمه معاهدة. اتفاقية مونترو تعطي أنقرة موقعاً خاصاً في ضبط عبور السفن الحربية عبر البوسفور والدردنيل، وهذا ظهر بوضوح بعد حرب أوكرانيا، حين أغلقت تركيا المضائق أمام السفن الحربية. فمبادرة الحبوب، إثر أزمة أوكرانيا، سمحت بتصدير قرابة 33 مليون طن قبل توقفها في تموز 2023، ما يجعل البحر الأسود مثالاً على اختناق غذائي - عسكري، لا على ممر عسكري فقط.

 

وتاريخياً، تيران 1967 عند مدخل خليج العقبة بين سيناء وشبه الجزيرة العربية، يذكّر بأنّ الممرات لا تحتاج إلى تكنولوجيا حديثة لتتحوَّل إلى شرارة حرب. إغلاق المضيق أمام إسرائيل كان من الشرارات التي سبقت حرب حزيران. هنا يصبح المرور نفسه مسألة أمن ووجود.

 

أمّا مضيق ملقا بين ماليزيا وإندونيسيا قرب سنغافورة، فهو ربما أكبر ممر تجاري مزدحم في آسيا، وتعبر منه كمّيات ضخمة من التجارة والنفط، ولذلك تنظر إليه الصين كجزء من أمنها الطاقوي لا كطريق بحري عادي.

جبل طارق بين إسبانيا والمغرب عند مدخل البحر المتوسط، قوّته رمزية واستراتيجية أكثر من كونه أزمة حالية. إنّه يمثل الممرات القديمة التي لم تفقد قيمتها، من جبل طارق إلى البوسفور. فالقانون البحري يقول إنّ العبور حق، لكنّ الجغرافيا تقول إنّ هذا الحق يمرّ أحياناً من عنق ضيّق تحرسه دولة، أو تراقبه قوة، أو ينتظر عنده أسطول.

 

من السويس إلى باب المندب، ومن هرمز إلى بنما، ومن القطب الشمالي إلى البوسفور وتيران وملقا وجبل طارق، لم تعُد المسألة وصفاً جغرافياً لممرات ضيّقة، بل صارت اختباراً واحداً يتكرّر بأشكال مختلفة. هنا يدخل منطق الترامبونوميكس مباشرة. فحين لوّحت الولايات المتحدة بالتعرفات الجمركية ونفّذت تهديداتها في عهد الرئيس دونالد ترامب، كانت تتصرّف مع السوق الأميركي كبوابة دخول إلى منظومة لا يستطيع كثيرون الاستغناء عنها. مَن يريد الوصول إلى المستهلك الأميركي عليه أن يدفع كلفة الدخول.

 

مع هذه الفسيفساء من خريطة العالم، تكتمل صلة الممرات بالترامبونوميكس من داخل منطقها نفسه، لأنّ مَن يحتاج إلى السوق الأميركي يدفع كلفة الدخول، ومَن يحتاج إلى قناة أو مضيق أو مدخل بحري يدفع كلفة العبور أو كلفة الخوف من تعطّله. إنّ الفرق يكمن في الشكل لا في المنطق. وفي الحالتَين، لا تكفي ملكية السلعة إذا كان طريقها خارج السيطرة. لذلك يصبح المعبر، في هذا العالم، مورداً سيادياً قائماً بذاته، لأنّه يحدّد ما إذا كانت السلعة ستصل في وقتها، أو ستتأخّر، أو سترتفع كلفتها قبل أن تصل.

 

--

مرجع المفاهيم: منشورعلى LinkedIn بتاريخ 6 نيسان 2025

https://www.linkedin.com/pulse/official-birth-trumponomics-doctrine-joseph-deeb-4ueuf/

الأكثر قراءة